
أخلقة العمل السياسي بين أزمة السلوك واستعادة الثقة
Mounir Lakmani
نُشر في 8 دجنبر 2025
الممارسات المرصودة داخل الفضاءات التمثيلية تُعدّ مرآة دقيقة لدرجة نضج الحياة السياسية وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فحين تتراجع قواعد الانضباط ويُكسر توازن النقاش الهادئ، لا يتعلق الأمر بحادث عابر، بل هو مؤشر على أزمة بنيوية تمس الرموز والمعايير المنظمة للفضاء العمومي.
أخلقة العمل السياسي ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل هي شرط لا غنى عنه لاستمرارية المؤسسات والحفاظ على شرعيتها لدى المواطنين.
الفضاء التشريعي ومعايير السلوك المؤسسي
المؤسسات التمثيلية ليست مجرد أماكن لاتخاذ القرار التشريعي، بل هي أيضاً فضاءات رمزية تصوغ صورة الدولة لدى المجتمع. وكل انحراف سلوكي داخلها ينعكس مباشرة على تصور المواطنين لدور الفاعلين السياسيين وثقل المؤسسة ذاتها.
ممارسة العمل السياسي داخل هذه الفضاءات تقتضي الالتزام الصارم بقواعد الحوار، والاعتراف المتبادل بين الأطراف، وتغليب الحجة على ردّ الفعل الاندفاعي. فالمؤسسة لا تكتسب الاحترام بقوانينها فقط، بل بسلوك من يحملونها وقدرتهم على تقديم نموذج راقٍ للنقاش العمومي.
انحراف أخلاقي أم أزمة تمثيل؟
يعتبر علم الاجتماع السياسي أن التوترات اللفظية داخل المؤسسات ليست مجرد انفعالات عابرة، بل تعبّر عن خلل أعمق في الدور التمثيلي. فحين يبتعد الفاعل السياسي عن قيم المسؤولية، تتحول المؤسسة من فضاء للنقاش العمومي إلى مسرح للمواجهة الرمزية.
يقود هذا التحول إلى ما يسمّى بـ"الانكسار التمثيلي"، حيث يضعف الرابط النفسي بين المواطن وممثليه: فلا تعود المؤسسة تبدو له فضاءً يعبّر عنه أو يعكس تطلعاته، بل فضاءً يعيد إنتاج التوترات. ومع هذا التباعد، يتسع العزوف السياسي، وتتراجع مشروعية العمل العمومي والانخراط المجتمعي.
أثر السلوك السياسي على الثقة العامة
الثقة ليست مفهوماً خطابياً: إنها رأسمال مؤسسي يُبنى من خلال تراكم الممارسات الإيجابية. وكل سلوك غير لائق داخل المؤسسات يؤثر مباشرة على هذا الرأسمال.
حين يشهد المواطن مشاهد الانفعال أو المبارزات اللفظية، لا يرى فيها مجرد خلاف، بل يراها انتقاصاً من هيبة المؤسسة. ويتعاظم هذا التصور حين يتناقض الخطاب الرسمي مع الممارسات الفعلية.
من منظور علم السياسة، فإن الفجوة المتزايدة بين الخطاب والفعل من أهم عوامل تآكل الثقة العامة، لأنها تعطي الانطباع بأن الفاعل السياسي منفصل عن المعايير التي يطالب بها المجتمع.
أخلقة السياسة كمسار إصلاح بنيوي
أخلقة العمل السياسي لا تعني مجرد فرض ميثاق سلوك، بل إعادة بناء ثقافة مؤسسية متماسكة. ويشمل ذلك ثلاثة مستويات أساسية:
المستوى الأخلاقي: تعزيز قيم الاحترام المتبادل، وضبط التعبير، وتجنب الانفعال، وتأطير حدود الاختلاف.
المستوى المؤسسي: تطوير آليات داخلية للمحاسبة، وتعزيز أدوار الأجهزة المكلفة بتنظيم الجلسات وتدبير الحوار.
المستوى التواصلي: تقديم خطاب في مستوى المؤسسة، وتجنب الاستعراض، والتركيز على مضمون السياسات بدل الأشخاص.
عبر هذه المستويات، تصبح الأخلقة رؤية إصلاحية مستدامة تسهم في إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
الفضاء العمومي لا يقوم على القوانين وحدها، بل على العلاقة النفسية التي تربط المواطن بمؤسساته. وهذه العلاقة لا تُرمّم بالخطابات، بل بالسلوكيات. فحين يُلاحظ المواطنون نقاشات تتسم بالرقي وتدبيراً هادئاً للاختلاف، ترتقي صورة السياسة، وتتعزز شرعية المؤسسات.
وحين تخضع الممارسات المنحرفة للمحاسبة، يدرك المواطن أن القانون يسري على الجميع، فيستعيد تدريجياً ثقته في المسار السياسي.
أخلقة العمل السياسي ليست تجميلاً ولا شكلاً: إنها شرط بنيوي لاستمرار المؤسسة في أداء وظائفها. فالمؤسسة التي تتراجع فيها المعايير الأخلاقية تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، لأن الإقناع السياسي لا يرتكز على النصوص فحسب، بل على السلوكيات التي تمنحها شرعيتها.
حين يفهم الفاعلون أن مسؤوليتهم تتجاوز اعتماد القوانين، وأن عليهم تجسيد الانضباط والاحترام والاعتدال، يستعيد الفضاء السياسي معناه الأول: خدمة المصلحة العامة عبر نقاش عقلاني، لا عبر تنافس صاخب.
قوة المؤسسات لا تُقاس بحدة الأصوات داخلها، بل بقدرتها على أن تظل قدوة في سلوكها قبل قراراتها، حافظة بذلك للسلطة التي تؤسس الثقة وتسند العمل الديمقراطي.
